مروان وحيد شعبان

54

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

وبظهور العجز عنه بعد طول التقريع والتحدي بان أنه خارج عن عاداتهم ، وأنهم لا يقدرون عليه ، وقد ذكرنا أن العرب كانت تعرف ما يباين عاداتها من الكلام البليغ لأن ذلك طبعهم ولغتهم ، فلم يحتاجوا إلى تجربة عند سماع القرآن ، وهذا في البلغاء منهم دون المتأخرين في الصنعة ) « 1 » . ويؤكد هذا المعنى الجرجاني فيقول : ( وإذا ثبت أنهم - أي العرب - الأصل والقدوة فإن علمهم العلم ، فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلي عليهم القرآن وتحدوا إليه ، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله ، ومن التقريع بالعجز عنه ، وبت الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه ، وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكّوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله ، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلا على وجه من الوجوه ، أما الأحوال فدلت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف وطباعهم التي لا تتبدل أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة ، وهم يجدون سبيلا إلى دفعها ، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم ، كيف وأن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أن بأقصى الإقليم الذي هو فيه يبأى « 2 » بنفسه ، ويدل بشعر يقوله ، أو خطبة يقوم بها ، أو رسالة يعملها ، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته ، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل ، ويبذل ما لديه من المنة ، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه وأن يعرض كلامه عليه ببعض العلل ، وبنوع من التمحل « 3 » ، هذا وهو لم ير ذلك الإنسان قط ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيج على تلك المعارضة ، ويدعو إلى ذلك التعرض ، وإن كان المدعى ذلك بمرأى منه ومسمع ، كان ذلك أدعى له إلى مباراته وإلى إظهار ما عنده ) « 4 » . ( . . . فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب ، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية والأنفة والحمية ، من يدعي النبوة ويخبر أنه مبعوث من اللّه تعالى إلى

--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، للباقلاني ، ص : 289 . ( 2 ) ( بأي : البأواء ، هي العظمة ، ويبأى : فخر ، وبأيت عليهم أبأى ، فخرت عليهم ) . لسان العرب ، لابن منظور ، 14 / 63 . ( 3 ) ( التمحل : المكر والاحتيال ) . لسان العرب ، لابن منظور ، 2 / 188 . ( 4 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، الرسالة الشافية ، للجرجاني ، تحقيق ، محمد خلف الله ومحمد سلام ، القاهرة ، دار المعارف ، الطبعة الثانية 1387 ه / 1968 ، ص : 118 - 119 .